السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في فلسفة الفراغ..!


لا يزال الكثيرون من المسلمين يحملون ـ الفراغ ـ الدور

الرئيسي فيما يصدر عنهم من اخطاء صغيرة كانت او

كبيرة ليصل بهم الامر مؤخرا ً حد تحميله مسؤولية ما يقع

فيه كثير من العناصر المراهقة والشابة في مجتمعاتنا

العربية والاسلامية من تطرف في الافكار ثم الافعال التي

بلغت ذروتها منذ مطلع العام 2000م عبر تلك الاعمال

الارهابية الوحشية في هذا البلد او ذاك بحق اولئك

المدنيين الابرياء من المسلمين وغير المسلمين المسالمين

والأمنيين بحجة تلك المفاهيم الاسلامية المغلوطة

والتي تأتي كمحصلة طبيعية

ومنطقية نتاج تلك التنظيمات الاسلامية الراديكالية التي لا

تمت الى الاسلام بصلة البتة لتصبح هذه

التنظيمات اليوم وغدا ً العدو الاساسي والخطر الحقيقي

الذي يهدد الاسلام ووحدة المسلمين .

وامام ذلك الفهم الخاطئ وما نتج عنه من تجني وظلم بحق

– الفراغ - ليصبح الشماعة التي يعلق عليها الكثيرون

أخطاء اقترفوها بأيديهم وبمساعدة اباءهم وامهاتهم كونهم

النواة الرئيسية في تربية الابناء وعليهم تقع المسؤولية

في الاول والاخير في حالة خروج اجيال متطرفة او

متفسخة الاخلاق ومن ثم فسوف يتحملون الوزر الاكبر

فيما يمارسه ابناءهم من جرائم وصلت حد قتل انفسهم من

خلال تلك الاعمال الانتحارية ضنا ً منهم انها اسشهادية

ليحملوا وزر قتل انفسهم اضافة ً الى وزر قتل الاخرين

دون وجه حق وذلك دون شك هو الخسران المبين في

الدنيا والاخرة.

ارجع فأقول اني لم اجد من خيار إزاء تلك الحملة الخاطئة

والظالمة بحق الفراغ سوى التصدي لها من خلال هذا

المقال بغية تصحيح ذلك المفهوم الخاطئ عن الفراغ لما

فيه رفع الظلم عنه وإحقاق الحق , ذلك لان الفراغ لم يكن

ابدا ً المسؤول عما وصل اليه اولئك الشباب المراهقون من

تطرف في افكارهم قادتهم في نهاية المطاف الى تلك

الاعمال الارهابية البشعة بل على العكس من ذلك تماما ً

فإن غياب اوقات الفراغ في حياة الوالدين لمتابعة ابنائهم

عن كثب لاسيما في المرحلة الاولى من حياتهم أي منذ

نعومة اظافرهم الى ما بعد سن المراهقة لتزويدهم خلالها

بكل المبادئ والمقومات الاساسية التي تمنحهم القاعدة

الصلبة في مواجهة كل تحديات الحياة بخيرها وشرها عبر

تنمية عقولهم بكل المعارف التي تمكنهم من التفريق بين

الصواب والخطأ – المقبول وغير المقبول – المشروع

وغير المشروع مستخدمين في سبيل ذلك الشدة واللين معا

ً وفقا ً لمقضيات الحاجة والضرورة التي يفرضها الظرف

والزمان كان يقينا ً هو السبب الرئيسي والحقيقي فيما

وصل اليه اولئك الشباب المراهقون من تطرف في افكارهم

واعمالهم او تفسخ في اخلاقهم مما جعلهم بعد ذلك فرائس

سهلة لتجار الشوارع والجرائم او لذلك الغول الجديد

المتخفي بثياب الاسلام المتمثل بالتنظيمات الاسلامية

المتطرفة , وهذا ما تؤكده الدراسات الميدانية التي اجريت

على كثير من الحالات الاجتماعية الخاصة بؤلئك الشباب

والتي اثبتت وجود قاعدة مشتركة بين الغالبية العظمى

منهم ان لم نقل كلهم تتجسد بوجود تفكك اسري من خلال

الغياب التام للوالدين لاسباب عديد لا يتسع المجال هنا لذكرها.

وعودا ً على بدء يتضح لنا جليا ً حجم الظلم الذي وقع ولا

يزال على – الفراغ – حيث حوله الاباء والامهات نتاج

ثقافة التجهيل ولا اقول الجهل من مكانه الطبيعي كنعمة

ورحمة الى نقمة ولعنة عندما الصقوا به السبب فيما وصل

اليه ابناءهم من تفسخ في الاخلاق او تطرف في الافكار

والاعمال مع ان العكس هو الصحيح كما اسلفنا , لان عدم

وجود الفراغ في حياة الوالدين لتربية ابناءهم ادى الى

قصور في الوعي لديهم فحولوا بدورهم مرحلة الفراغ التي

لابد من ان يمرون بها في بداية حياة من معول لبناء

عقولهم عبر استغلالها بكل ما ينفعهم الى معول هدم

لعقولهم من خلال سوء استغلالها.

فيا كل أب: اعلم ان الابوة من اكبر المسؤوليات واعظمها

ولابد لك من ان تحصد ما زرعت ان خيرا ً فخير وان شرا ً

فشر سواء ً في الدنيا او الاخرة فحرص على ان تزرع

الخير في أبنائك من خلال ايجاد اكبر وقت فراغ في حياتك

تعطيه لهم خاصة ً في المرحلة الاولى من حياتهم وان

كانت زحمة الحياة وانشغالها قد اخذتك لسنوات طويلة

فضاع بذلك بعض ابنائك فحرص على تخصيص جزء من

الفراغ في حياتك لمن تبقى منهم ما يزالون في سن

المرحلة الاولى من حياتهم فأن تصل متأخرا ً خيرا ً

من عدم وصولك.

يا كل أم: إحرصي على ان تعطي ابنتك حقها من نعمة

الفراغ التي لابد ان تمر بها في ربيع عمرها من خلال

حثها على التعليم ولا تحرميها من تلك النعمة بإشغالها

بالزواج المبكر وكثرة الاولاد نتاج تدني مستوى وعيها فلا

تجد بعد ذلك أي وقت فراغ في حياتها لتربية ابنائها

ومتابعتهم عن كثب.

يا كل شاب: لا تضيق من مرحلة الفراغ التي ستقابلك دون

شك في بداية حياتك ولا تجعلها الشماعة التي ترمي عليها

ما قد يصيبك من احباط او يأس وما يستتبعه من اخطاء

صغيرة ثم كبيرة قد تؤدي الى انهاء حياتك عبثا ً فتخسر

الدنيا والاخرة معا ً, واعلم ان الفراغ من اجل النعم

واعظمها فحرص خلال تلك الفترة على تأهيل نفسك عبر

السعي حثيثا ً في طلب العلم بمختلف جوانبه وبكافة

الوسائل المتاحة لان العلم يحتاج الى صفاء الذهن من

زحمة الحياة وارتباطاتها ومشاغلها اليومية وهذا ما يوفره

لك الفراغ لتصبح بعد ذلك جديرا ً بتحمل أي مسؤولية قد

تلقى على عاتقك ذات يوم فتؤديها حق الاداء.

ويا كل فتاة: احرصي على التمسك بحقك من نعمة الفراغ

التي ستمرين بها لا مناص في مقتبل حياتك واستغليها في

تأهيل نفسك عبر التعليم الذي سيوسع معارفك وسينمي عقلك حتى اذا ما صرت أما ً اصبحت كما

قال الشاعر " الأم مدرسة اذا اعددتها اعددت شعبا ً طيب الاعراق " ,

والحذار – الحذار من ان تحولي تلك النعمة والرحمة التي

اعطاك اياها الله الى نقمة ولعنة عبر السعي نحو القضاء

عليهابتضيعها في كل عمل لا ينفع.

يا كل هؤلاء: اعلموا ان – الفراغ – كان ولا يزال وسيظل

زاد العقول لانه يحررها من ارتباطات الحياة ومشاغلها

اليومية بتلك المسؤوليات الاسرية والاجتماعية والوظيفية

فيؤدي ذلك الى صفاء الذهن وانطلاق الفكر نحو التأمل

والعلم في كل ما ينفع الانسانية , لذلك كان الانبياء

والرسل يحرصون على ايجاد اكبر وقت فراغ في حياتهم

خاصة ً في بدايتها واخرها لتحرير عقولهم لما فيه اطلاق

العنان للفكر فأصبحوا بذك مؤهلين لتحمل الرسالات

السماوية , وكذلك كان الفلاسفة والادباء والشعراء

والحكماء فأنتجوا للانسانية برمتها اعظم النظريات والحكم

والامثال والاعمال الادبية والشعرية التي ستظل مصدر

اشعاع للاجيال المتعاقبة حتى نهاية الحياة على الارض.

ويا كل هؤلاء: اعلموا ان – الفراغ – نعمة ورحمة جليلة

فلا تحولها الى نقمة ولعنة من خلا سوء استخدامها

وكونوا كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية " وان حبسوني

فحبسي عبادة " لان حبسه كان يعني ان يحصل على

مرحلة فراغ في حياته المزدحمة بالأعمال الكثيرة وذلك

الفراغ دون شك سيمنح فكره الحرية الكاملة للانطلاق نحو

التفكير والتأمل التي تعتبر من أعلا أنواع العبادات.

وصدق المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال

في ما معنى الحديث الشريف " ثلاث نعم محسود عليها ابن ادم: الفراغ والصحة والشباب".

((مما قرأت))