[frame="5 10"]
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عن زينة الدنيا في سبيل مبدئه ويزهد في المناصب والأموال في سبيل القيم التي يدعو إليها ، ويؤثر أن يهاجر ويرد الأموال إلى أهلها ليلقن البشرية كلها أن هذا دينٌ أنزله رب العالمين وارتضى من أصحابه وطلب منهم أن يراعوا حق الله وأن ينفذوا أخلاق الله ولو مع الكافرين والجاحدين من أعداء الله
فليس معنى أنهم كافرون أن يبيح لنا أموالهم أو أن يطلق الإسلام أيدينا في أعناقهم أو يترك لنا التعرض لأعراضهم ، لأن المؤمن دائماً وأبداً هو حارس المثل الإلهية والخليفة عن الله في إعلاء القيم الإيمانية والمبادئ الإسلامية التي دعا إليها الله في قرآنه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته
وقد وعى أصحابه هذا الدرس ، فعندما ضاقت عليهم هذه البلدة وفيها حرم الله لكنهم لا يستطيعون أن يعبدون الله فيها بحرية ، هاجروا وتركوا أموالهم ودورهم وأولادهم حتى لا يفتنون عن دين الله فهم كما قال الله في شأنهم: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} المائدة54
فهذا صهيب يخرج وقد كان من أغنى أغنياء مكة في التجارة ، ويلحقه الكافرون فينثر كنانته بما فيها من سهام ويقول لهم: يا أهل مكة تعلمون إني من أرماكم ووالله الذي نفسي بيده لن يصل إلى واحد منكم إلا ورميته بسهم من سهامي فإذا فنيت سهامي سأمسك بسيفي ولن تصلوا إلا على أشلائي أو لا أدلكم على خير من هذا ، قالوا: وماذا؟ قال: أدلكم على مالي فتذهبوا إليه وتأخذوه وتتركوني أهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فدلهم على ماله وذهب بدينه ومبادئه ومثله ، وإذا بالحق يرسل برقية عاجلة إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول له فيها: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} البقرة207
وعندما وصل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أبشر يَا أَبا يَحْيى رَبِحَ البَيْعُ .. رَبِحَ البَيْعُ}{1}
أي بيع؟ {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} التوبة111
هكذا صاروا على هذا الحال
فهذا رجل منهم يأتي بعد غزوة أحد قائداً لتجارة كبيرة لقريش آتية من بلاد الشام ويشرح الله صدره للإيمان فلا يصبر حتى يؤدي التجارة إلى أهلها ثم يرجع إلى المدينة ليعلن إيمانه لكنه ذهب مباشرة إلى المدينة وأعلن إيمانه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد فرح به صلى الله عليه وسلم فرحاً كبيراً، لأنه كان زوج ابنته ولكن الإسلام قد فرق بينهما
فوسوس إليه أحد المنافقين المنشغلين بالدنيا عن الدين والذين يريدون أن يسخروا الدين في سبيل الحصول على عرض الدنيا ، ولو كان في ذلك مخالفة لأوامر رب العالمين ، فقال له: يا هذا ما دمت قد آمنت فإن الكفار كما تعلم قد أخذوا أموال إخوانك المؤمنين فلا ترجع إليهم واغنم هذا المال فإنه مال الكافرين
فما كان من الرجل الذي شرح الله صدره للإسلام إلا أن صاح في وجهه قائلاً: {أهذه نصيحتك لأخيك فوالله ما كنت لأبدأ عهدي بالإسلام بالخيانة} فإن الإسلام دين الأمانة ، ثم ذهب إلى مكة ورد الأمانات إلى أهلها وقال يا معشر قريش، ماذا تعلمون عني؟ قالوا: خيراً قال: هل بقى لكم شئ عندي، قالوا: لا وجزاك الله خيراً ، قال: فإني أشهدكم أني رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً{2}
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى هذه الهجرة ، أي هجرة؟ هي التي يقول فيها صلى الله عليه وسلم: {المهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه}{4}
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى هجرة الفواحش ما ظهر منها وما بطن وإلى أن نهجر الغش ولو كان فيه المكسب الكبير وأن نترك الرشوة ولو كان في ذلك علو شأننا وارتفاع منصبنا لأن هذه مكاسب حرمها الله ويعاقب عليها العقاب الشديد
لن ينصلح حالنا إلا إذا هجرنا المثل والمبادئ التي نشرها بيننا أهل الغرب من الخبث والدهاء والخداع والمكر والغش والكذب تحت أسماء ومسميات يعتقدون ويقولون أنها حضارة ويشيرون إلى من يتمسك بالأمانة أنه رجل جامد لا يصلح لهذا الزمان ، والرجل الذي يتمسك بالأمانة في التجارة ولا يغش يعاتبونه ن بل يعيرونه بأنه إنسان لا يريد أن يعيش بل يريد أن يكون فقيراً بين الناس ، نريد أن نقول كما قال القائل:
ليت الذى بيني وبينك عامـر وبيني وبين العالمين خــراب
إذا صح منك الود فالكل هيّن وكل الذي فوق التراب تراب

قال صلى الله عليه وسلم: {المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدهِ ، والمؤمن من آمن جاره بوائقه ، والمهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه}{5}

{1} رواه الحاكم والطبراني عن صهيب وقال الشيخان هذا حديث صحيح الإسناد
{2} وهناك رواية ثانية أورها صاحب المستدرك على الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها وغيرها من كتب السنة ( باختصار): {أن رسول الله بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص، وقال لهم: إِنَّ هذا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مالاً فَإِنْ تُحْسِنوا تَرُدّوا عَلَيْهِ الّذي لَهُ فَإِنّا نُحِبُّ ذلِكَ وَإِنْ أَبََيْتُمْ ذلِكَ فَهُوَ فَيْءُ الله الّذي أَفاءَهُ عَلَيْكُمْ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ، قالوا: بل نرده عليه قال: فردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئاً، ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع منه، ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا فجزاك الله خيراً فقد وجدناك وفيا كريماً قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفاً أن تظنوا أني إنما أردت أخذ أموالكم، فلما أداها الله عزّ وجل إليكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله }
{3} رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو
{4} متفق عليه
{5} متفق عليه

[/frame]