[frame="9 10"]
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما فُتحت لهم البلدان ، عُرضت عليهم الدنيا ووقعت في أيديهم الأموال وطلبتهم المناصب فلم يلتفتوا إلى شئ من ذلك كله طلباً لمرضاة الله ، وكذلك عند تعرضَّهم للفتن والبلاء لا يرضون لغير الله بدلاً


فهذا رجل أمر رسولكم الكريم أصحابه أن يخاصموه فلا يكلِّموه ولا يلقوا السلام عليه ولا يردُّوا عليه السلام بل وأمر زوجته ألا تخدمه ، لماذا؟ لأنه تخلَّف عن معركة حربية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تخلَّف عن غزوة تبوك ، وهو كعب بن مالك الشاعر ، بينما هو ذات يوماً يمشي في السوق ، وحاله ورفاقه وصفه الله حيث قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} التوبة118


إذا برجل رومي يسأل عنه ويقول: أين كعب بن مالك الشاعر؟ فدلّوه عليه ، قال: ماذا تريد؟ قال: معي رسالة لك من ملك الروم وسلَّمها له ، ففضَّ الرسالة وقرأها فإذا بها: {من هِرقل قَيّصر الرُّوم إلى كعب بن مالك الشاعر ، بلغنا أن صاحبك قَلاَك "أي أبغضك" فاسرع إلينا نُهَيِّئ لك العيش السعيد والحياة الرغيدة} فما كان منه إلى أن مزَّق الكتاب وقال: وهذا أيضاً من جملة المصائب التي أتت عليِّ فلم يفرح بما عرضه عليه ملك الروم من العيش الرغيد في الدنيا ، لأنه يُوقن بقول الله: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى17


لم تفتنهم الدنيا بزخرفها ولم تغرّهم بشهواتها ولم تغيِّر أخلاقهم بأطماعها وإنما يتمسكون بشرع الله ويتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً لمرضاة الله تعالى


فعندما حاصر عمرو بن العاص بجيشه حِصْن بابليون بمصر وطلب منه المُقوْقس زعيم القبط بمصر أن يُرْسِل إليه رجلاً من عنده ليفاوُضه فأرسل إليه عُبادة بن الصامت ، رجل من فقراء الصحابة لا يملك من الدنيا وحُطامها إلا أثْمالاً بالية يلبسها على جسده ، ولكنه يملك نفساً غنِّية بالله وقلباً مملوءاً بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم


فلما رآه المقوقس خاطبه قائلاً: أراكم ما خرجتم إلا لأنَّ أرضكم أرض قحط ليس بها زرع ولا ماء وقد جئتم إلينا تطلبون القُوت والطعام والرخاء والمال ، فإن شئتم جعلنا لكلَّ رجل منكم مائة دينار في كل عام ولكل أمير جماعة ألف دينار في كل عام ولقائدكم مثل ما يأخذ الجميع في كل عام وترجعوا عن غزونا


فماذا قال عُبادة بن الصامت رضي الله عنه؟ قال له: {غرَّك مالك ، لو كنَّا نبغي المال ما جئنا هاهنا ولو كنَّا نطلب بجهادنا الدُّنيا ما رفعنا سيوفنا ولا عرَّضنا أنفسنا للقَتْل ولكن خرجنا لنُنْقذ النَّاس من ظُلمات الجاهلية لعبادة الله ، فاختر لنفسك ومن معك واحدة من ثلاث: إما الإسلام وإما الجِزْية وإما السَّيف}


وهذا ما قال شِبْهه أيضاً رَبْعى بن عامر عندما دخل على رُسْتم قائد الفرس ، وبمثل هذا كان ردَّ كلَّ قائد من قادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الملك الذي أرْسل إليه لم تحجبهم الدنيا وزخرفها عن المبدأ الذي تربُّوا عليه ، بل تأسُّوْا فيه برسولهم ورسولنا صلوات الله وسلامه عليه ، وقد كان الشعار الذي أمرهم صلى الله عليه وسلم به: {عِشْ حَمِيداً ومَتْ شَهِيداً}{1}


فما نتيجة هذا الشعار؟ أن تحيا فى الآخرة سعيداً ، عش حميداً بالسير على مبادئ الإسلام ولا تلفتك الشهوات والزخارف ولا المطالب عن أخلاق الإيمان ولا تغتر بالدنيا وزخارفها ، ومت شهيداً مجاهداً على دين الله تحيا سعيداً يوم لقاء الله ، هذا المبدأ الإسلامي الخالد نحن في أمس الحاجة إليه في حياتنا الآن


فما أكثر من يحيا منا على الإيمان ويتربى على مائدة القرآن وينشأ في أحضان أبوين مؤمنين طاهرين وبمجرد أن يعرض عليه عرض رخيص من عروض الدنيا تجده يتحول عن طريق الله ، يتحول عن الإيمان من أجل بضع ملايين رخيصة ، يبيع دينه بعرض قليل من الدنيا بل ربما لا يحصل عليه وربما يكون السجن في انتظاره بعد الحصول عليه فلا يتهنى به في دنياه ويعذب عليه أشد العذاب يوم لقاء الله


قد تغريه فاتنة حسناء فيغير جلده الإيماني، ويتحول إلى خنزير سفاد من أجل هذه السلعة الرخيصة من أجل امرأة فاسقة والنساء المؤمنات كثيرات وفيهن خير كثير {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} البقرة221


نحن في حاجة ماسة إلى التأسي بهذا المبدأ لأن الدنيا قد تبرجت وتزخرفت وتزينت ، وأمواج الكافرين تأتي لنا في كل طرفة عين بما يخلعنا عن ديننا لو عملناه وما يغير علينا إيماننا لو اتبعناه وبما يسلخ إيماننا من قلوبنا ويتركنا في خواء من دين الله وشريعة الله لو طبقناه ، كل ذلك طمعاً في عيش قد يكون قليل وربما يكون وراءه أو فيه عذاب كبير


فقد يتحصل المرء على المال من طريق حرام وينفقه عند الأطباء ولا يتم له الشفاء ، وقد يحصل على المال الحرام ولا يُمْهله العمر ليتوب فيأتيه الموت بغتة ، فيحمله كله على عنقه يوم لقاء الله قال صلى الله عليه وسلم: {من تمسَّك بسنُّتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد}{2}



{1} نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ومسند البزار من حديث سالم ابن عمر
{2} أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، واللفظ له

[/frame]